الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

5

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

بالعشب وكان كثير البكاء ، فكان لدمعه مجار على خدّه . وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ ، أي لطيفا بهما ، محسنا إليهما . وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً أي متكبرا في دينه . عَصِيًّا ( 14 ) ، أي عاصيا لربه ، عاقا بوالديه . وَسَلامٌ عَلَيْهِ ، أي أمان من اللّه تعالى على يحيى . يَوْمَ وُلِدَ ، من أن يناله الشيطان . وَيَوْمَ يَمُوتُ ، من فتنة القبر ، وَيَوْمَ يُبْعَثُ ، من القبر حَيًّا ( 15 ) ، من هول القيامة ، وهذا تنبيه على كونه عليه السلام من الشهداء . وَاذْكُرْ ، يا أكرم الرسل للناس ، فِي الْكِتابِ أي هذه السورة مَرْيَمَ أي قصتها ، إِذِ انْتَبَذَتْ أي اعتزلت ، مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا ( 16 ) أي شرقي بيت المقدس ، وشرقي دارها ، لتتخلى هناك للعبادة . فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً أي فأرخت لأجل منع رؤية أهلها سترا لتغتسل من حيضها ، فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا رسولنا جبريل ، فَتَمَثَّلَ لَها بعد فراغها من الاغتسال ، وبعد لبسها ثيابها ، بَشَراً سَوِيًّا ( 17 ) أي لم ينقص من الصورة البشرية شيئا . وكان موضعها المسجد ، فإذا حاضت تحّولت إلى بيت خالتها ، وإذا طهرت عادت إلى المسجد ، فلما طهرت وهي في مغتسلها ، أتاها جبريل بعد لبسها ثيابها في صورة آدمي شاب أمرد ، وضيء الوجه ، جعد الشعر ، كامل البدن لم ينقص من حسان نعوت الآدمية شيئا . وقيل : تمثّل في صورة ترب لها اسمه يوسف ، من خدم بيت المقدس ، لتستأنس بكلامه ، وتتلقى منه ما يلقى إليها من كلماته تعالى ، قالَتْ أي مريم : إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ( 18 ) أي مطيعا للّه ، يرجى منك أن تتقي اللّه ، ويحصل ذلك بالاستعاذة به ، فإني عائذة به منك . وقيل : كان في ذلك الزمان ، رجل فاجر اسمه تقي ، يتبع النساء ، فظنت مريم أن ذلك المشاهد هو ذلك التقي ، فمن ذلك تعوّذت منه ، وخصّت الرحمن بالذكر ليرحم ضعفها وعجزها عن دفعه . قالَ لها جبريل : إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ الذي استعذت به ، لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا ( 19 ) ، أي لأكون سببا في هبة ولد طاهر من الذنوب ، بالنفخ في الدرع . قرأ نافع وأبو عمرو « ليهب » بياء مفتوحة بعد اللام ، أي ليهب الرب لك ولدا ذكرا ، مترقيا من سن إلى سن ، على الخير . قالَتْ مريم لجبريل : أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ أي من أين يكون لي ولد كما وصفت ، والحال أنه لم يباشرني رجل بنكاح ، وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ( 20 ) أي فاجرة تبغي الرجال . قالَ لها جبريل : كَذلِكِ أي الأمر كما قلت لك ، قالَ رَبُّكِ الذي أرسلني إليك هُوَ أي هبة الولد من غير أن يمسك بشر أصلا . عَلَيَّ خاصة هَيِّنٌ وإن كان مستحيلا عادة ، لأني لا أحتاج إلى الوسائط ، وَلِنَجْعَلَهُ أي وهب الولد من غير أب ، آيَةً لِلنَّاسِ أي برهانا لهم يستدلون به على كمال قدرتنا نفعل ذلك . وبهذا إتمام الأنواع الأربعة في خلق البشر ، فإنه تعالى خلق آدم من غير ذكر وأنثى ، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر ، وخلق بقية البشر من ذكر وأنثى معا .